الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

322

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

يصاحب اللّه . أن المراد هنا الحضور والشعور اللذان هما لازمان للصحبة ، فإن كون أحد المصاحبين حاضرا بالخر وشعوره به من لوازم الصحبة ، وقد ورد في التوجه الإيجادي للإنسان : خلقت بيدي ، أي بالأوصاف المتقابلة ، يعني فيه من جميع الأوصاف . ومن جملتها الحضور الذاتي ، فإن اللّه تعالى حاضر لذاته بذاته أبدا وأزلا فظهر من هذا أن الحضور والشعور في أفراد الإنسان ليسا منهم بل هما من أشعة شمس الحضور الذاتي التي انعكست في جدران المظاهر ونوّرتها ، ولا كمال للإنسان غير تحقيق حاله وعلمه بأن ما حصل فيه من الحضور وغيره ليس منه بل من الحق سبحانه ، ولا حق له في ذلك . وما قاله الشيخ الهروي قدّس سرّه : أن التحقيق تلخيص مصحوبك ، إشارة إلى هذا المعنى . * رشحة : قال في تحقيق ما قاله بعض المحققين : لو أقبل صديق على اللّه تعالى ألف ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فما فاته أكثر مما ناله : أن تلك الطائفة قد يصلون إلى مقام يكتسبون فيه في نفس واحد جميع كمالات اكتسبوها فيما قبل . وقد ورد في حكاية مشهورة أن بعض الأشقياء سعى إلى خليفة الوقت بنميمة هؤلاء الطائفة العلية بأنهم زنادقة رديئة يضلون الخلق عن طريقة سوية والأصلح أن تأمر بقتلهم حتى يتلاشى مذهبهم ويزول عن العالم بالكلية ، فيترتب على ذلك فوائد جزيلة وعوائد جليلة ، فجاؤوا بهم دار الخلافة وأوردوهم في ميدان السياسة وأمر بقتلهم . فلما أراد السياف أن يقتل واحدا منهم جاءه الخر والتمس أن يقتله أولا ، فقصده السياف فجاءه الثالث والتمس قتله قبل صاحبه ، فبقي السياف متحيّرا وقال لهم متعجبا : ما بالكم تشتاقون إلى القتل بحيث يتبادر إليه أحدكم قبل صاحبه ويسبقه فيه ؟ فقالوا : نحن من أهل الإيثار وقد وصلنا إلى مقام نكتسب فيه في كل نفس جميع الكمالات السابقة فيؤثر كل منا صاحبه بحياته على نفسه ليتنفس في تلك الفرصة أنفاسا فيكتسب فيها الكمالات . فبلغ هذا الكلام سمع الخليفة فتنبه وبحث عن أحوالهم بالتحقيق ، ولما اطلع على كمالاتهم قال : لو كان هؤلاء زنادقة ليس في العالم صديق . ثم اعتذر إليهم وخلى سبيلهم وأعادهم إلى مكانهم بتمام الإعزاز . وقال حضرة شيخنا : إن لهذا تمثيلا وهو : أنه لو كان لشخص مائة دينار فاتجر به وسعى واجتهد حتى بلغ ربحه مائة ألف دينار فما يحصل له في هذا الوقت من ربح مائة ألف دينار يكون أزيد البتة مما حصل له قبل هذا من مائة دينار . فلو امتنع عن الكسب والتجارة في هذا الحال يكون ما فاته أزيد مما ناله لا محالة .